محمد كرد علي
12
خطط الشام
مواطن العلم في القطر قديما : كان العلم يدرس في تلك الأحقاب في أربع مدارس وهي القسطنطينية والإسكندرية ورومية وبيروت ، وقد أنشأ الرومان مدرسة في قيسارية ، وأخرى في آثينة ، وكان لصيدا على ذلك العهد مدرسة حكمة ذات شأن ، ولكن دون مكانة مدرسة جارتها بيروت . وقد ألغى يوستنيانوس مدارس قيسارية وآثينة والإسكندرية ، وأبقى مدارس رومية والقسطنطينية وبيروت ولقب بيروت بأم العلوم وظئر الشرائع . وأعفى ديوقليسيانوس قيصر الفقراء المتخرجين في مدرسة بيروت من الرسوم تنشيطا لهم . وقد خربت مدرسة بيروت قبل الإسلام بالزلازل التي تواترت على الثغر في القرن السادس للميلاد ثم حريق سنة 560 م الذي التهم بيروت ومساكنها ومعاهدها . وكان في غزة مدرسة قديمة تفاخر بمشاهير علماء البيان فيها وكان فصحاؤها على العهد اليوناني المرجع الأول في الفصاحة والبلاغة ، وكان في قيسارية في القرن الثالث للمسيح مدرسة علمية يعلم فيها أوريجين أحد رجال الكنيسة وتخرج منها الأسقف أوزيب أبو التاريخ الكنسي وقيل : إنه كان في أريحا مدرسة أسسها إيليا . قال استرابون الجغرافي اليوناني من أهل القرن الأول قبل الميلاد : لم يبق في صور وصيدا فينيقيون يضربون في الآفاق للتجارة ، بل كان فيهما كثير من أصحاب علم الهيئة والعلوم الرياضية والخطباء والفلاسفة ، ومدارس تقتبس فيها كل العلوم البشرية ، وقد أنشأت صيدا في أيامنا كثيرا من الفلاسفة منهم بواتيوس تلميذنا وديودوت أبوه ، ونشأ في صور انتيباتر وقبله أبولون ، وكان في أيامنا فيلسوف اسمه بوسيدونيوس كان شيشرون يسمع خطبه . وكانت اللغة اللاتينية ثم اللغة اليونانية لغة العلم في هذه الأحقاب ، ولم يكن السريان السكان الأصليون دون الرومانيين واليونانيين في تخريج الرجال ، ولا سيما في عهد النصرانية . فقد هبت في المئة الرابعة للميلاد اللغة الآرامية السريانية بحلب وجوارها من رقدتها ، فسار في طليعة أهلها كيرتونا الشاعر الكبير ، نشأ في حلب أو في صقعها ودرس الآداب السريانية في مدرسة الرّها ،